علي بن محمد البغدادي الماوردي
224
أدب الدنيا والدين
هُوَ أَغْنى وَأَقْنى قال أبو صالح : أغنى خلقه بالمال وأقنى جعل لهم قنية « 1 » وهي أصول الأموال . وأما الكسب فيكون بالأفعال الموصلة إلى المادة والتصرّف المؤدي إلى الحاجة وذلك من وجهين : أحدهما تقلب في تجارة والثاني تصرّف في صناعة وهذان هما فرع لوجهي المادة فصارت أسباب المواد إذا نمت وتشهد إذا غبت وتكون عقبا إذا مت . وروى هشام بن عروة عن عائشة حيوان وربح تجارة وكسب صناعة . وحكى الحسن بن رجاء مثل ذلك عن المأمون قال : سمعته يقول : معايش الناس على أربعة أقسام زراعة وصناعة وتجارة وإمارة فمن خرج عنها كان كلا عليها . وإذ قد تقررت أسباب المواد لما ذكرناه فسنصف حال كل واحد منها بقول موجز . أما الأوّل من أسبابها وهي الزراعة فهي مادة أهل الحضر وسكان الأمصار والمدن والاستمداد بها أعم نفعا وأوفى فرعا ولذلك ضرب اللّه تعالى بها المثل فقال : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خير المال عين ساهرة لعين نائمة » وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « نعمت لكم النخلة تشرب من عين خرارة وتغرس في أرض خوّارة » « 2 » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في النخل : « هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل » وقال بعض السلف : خير المال عين خرارة في أرض خوّارة تسهر إذا نمت وتشهد إذا غبت وتكون عقبا إذا مت . وروى هشام بن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « التمسوا الرزق في خبايا الأرض » يعني الزرع . وحكي عن المعتضد أنه قال : رأيت علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في المنام يناولني المسحاة وقال : خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض . وقال كسرى للموبذ « 3 » : ما قيمة تاجي هذا فأطرق ساعة ثم قال ما أعرف له قيمة إلّا أن تكون مطرة في نيسان فإنها تصلح من معايش الرعية ما تكون قيمته مثل تاج الملك . ولقي عبد اللّه بن عبد الملك بن
--> ( 1 ) قنية : هو المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك . ( 2 ) خوارة : ضعيفة ، لا تنبت ، ولا تستقر فيها غيرها . ( 3 ) للموبذ : بضم الميم وفتح الباء ، فقيه الفرس ، وحاكم المجوس .